العيني

27

عمدة القاري

ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره ، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه ، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة . قوله : ( لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي ) . قوله : ( غلاماً ) ليس للتحقير والاستصغار به ، بل إنما هو لتعظيم منة الله على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من غير طول العمر ، ويقال : بل قال ذلك على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه إذا أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحداً قبله ممن هو أسن منه . وفي هذا الموضع عبارات وقعت في أحاديث ، ففي رواية شريك عن أنس : لم أظن أحداً يرفع علي ، وفي حديث أبي سعيد ، قال موسى : يزعم بنو إسرائيل أني أكرم على الله وهذا أكرم على الله مني ، زاد الأموي في روايته : ولو كان هذا وحده هان علي ولكن معه أمته وهم أفضل الأمم عند الله ، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : أنه مر بموسى ، عليه الصلاة والسلام ، يرفع صوته فيقول : أكرمته وفضلته ؟ فقال جبريل ، عليه الصلاة والسلام : هذا موسى قلت : ومن يعاتب ؟ قال : يعاتب ربه فيك . قلت : ويرفع صوته على ربه ؟ قال : إن الله قد عرف له حدته . وفي حديث ابن مسعود عند الحارث وأبي يعلى والبزار : سمعت صوتاً وتذمراً ، فسألت جبريل ، عليه السلام ، فقال : هذا موسى . قلت : على من تذمره ؟ قال : على ربه . قلت : على ربه ؟ قال : إنه يعرف ذلك منه . فإن قلت : ما وجه قوله : لما أتى السماء السادسة فإذا موسى ؟ وقد قال في حديث آخر : رأيت موسى ليلة الإسراء وهو يصلي في قبره ؟ قلت : لا إشكال في ذلك على قول من يقول بتعدد الإسراء ، وعلى قول من يقول : بأن الإسراء مرة واحدة ، فالجواب : أن موسى ، عليه الصلاة والسلام ، صعد إلى السماء السادسة بعد أن رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، في قبره حتى اجتمع به هناك ، وما ذلك على الله بعزيز . ولا على موسى بكثير . قوله : ( فإذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) وهو في السماء السابعة على رواية البخاري ، وعلى رواية مسلم : في السماء السادسة ، في رواية الزهري عن أنس حيث قال : وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة ، وكذا في رواية البخاري في أول كتاب الصلاة : في السماء السادسة . وأجيب : بأنه لا منافاة لاحتمال أن يكون في السادسة وصعد قبل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى السابعة ، وقيل : يحتمل أنه جاء إلى السماء السادسة استقبالاً وهو في السابعة على سبيل التوطن ، وعلى تعدد الإسراء لا إشكال . فإن قلت : ما الحكمة في الاقتصار على هؤلاء الأنبياء المذكورين فيه دون غيرهم منهم ؟ قلت : للإشارة إلى ما سيقع له صلى الله عليه وسلم ، مع قومه مع نظير ما وقع لكل منهم ، ففي آدم ما وقع له من الخروج من الجنة ، فكذلك في النبي صلى الله عليه وسلم ، وقع له من الخروج من مكة . وفي عيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم في البغي عليه ، وفي يوسف على ما وقع له مع إخوته ، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ما وقع له من قريش في نصبهم الحرب له ، وفي إدريس على رفيع منزلته عند الله فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي هارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكثر قومه رجعوا إليه بعد العداوة ، وفي موسى على ما وقع له من معالجة قومه فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، عالج قريشاً وغيرهم أشد المعالجة ، وفي إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، في استناده إلى البيت المعمور بما ختم الله له في آخر عمره من إقامة مناسك الحج وتعظيم البيت فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، أقام مناسك الحج وعظم البيت وأمر بتعظيمه ، وقيل : الحكمة فيه أن الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، أمروا بملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، فمنهم من أدركه في أول الوهلة ، ومنهم من تأخر فلحق ، ومنهم من فاته . فإن قلت : ما الحكمة في كون كل منهم في مكانه المذكور فيه ؟ قلت : أما آدم فإنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل فكان أولاً في السماء الأولى ، وأما عيسى ، عليه السلام ، فإنه أقرب الأنبياء عهداً من نبينا صلى الله عليه وسلم ، ويليه يوسف ، عليه السلام ، لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته ، وأما إدريس فلقوله تعالى : * ( ورفعناه مكاناً عليّاً ) * ( مريم : 57 ) . والسماء الرابعة من السبع وسط معتدل . وأما هارون فلقربه من أخيه موسى ، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله ، وأما إبراهيم فلأنه الأب الأخير ، فناسب أن يتجدد للنبي صلى الله عليه وسلم يلقيه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر . والله أعلم . قوله : ( ثم رفعت إلى سدرة المنتهى ) ، الرفع تقريبك الشيء ، وقد قيل في قوله تعالى : * ( وفرش مرفوعة ) * ( الواقعة : 34 ) . أي :